|
جاء كشجر النخيل !
جوان حسين
رغم حر الظهيرة في يوم تموزي نزق . والعرق الذي يتصبب مني
كحنفية معطلة وعلى الرغم من تلك القطرات التي تسللت لترقد داخل
عيني فأوقدت بها حُرقة أشبه بتلك التي تهيج العروق عند مسح
الجرح بالكحول ، تمكنت من لمح لافتة كتب عليها بالخط العريض
وباللون الأحمر على وجه التحديد " مهرجان الابداع الأول .. "
مسحت عيني بكمِّ قميصي وانتصبت أمام الاعلان لأتمم أو بالأصح
لأقرأه من جديد " انتبه .. لأول مرة في المدينة .. مهرجان
الإبداع الأول . الذي سيقام احتفالاً بعيد الحرية العالمي في
صالة الخيام .. "
لم أكمل قراءة ما ورد بعد ذلك في الإعلان ، بل هرعت ألملم
مجموعاتي القصصية والشعرية ، جعلتها تحت إبط ذراعي الأيسر
وهممت بالخروج وكأنني أسابق عقارب الزمن ، أقطع المسافات
مسرعاً ... صالة الخيام ليست بعيدة . تحمّل يا ولد حرّ الصيف
.. أسرع .. أسرع قبل نهاية الدوام . دق الحديد وهو حامي ..
الحمد لله أقف أخيراً أمام باب غرفة الإدارة . أمسح عن وجهي
العرق الذي أخذ ينساب بكل حرية هذه المرة بمنديل معطّر . قبل
أن أدقّ الباب وأدخل صرخ فيَّ صوت :
- هي . أنت .. إلى أين يا أستاذ ؟
وجّهت نظري إلى منبع الصوت . كان رجلاً بديناً قصير القامة ،
في العقد الخامس من العمر تقريباً ، يحمل صينية وضع عليها ثلاث
فناجين من القهوة وكأساً من الماء .
- سأدخل لأقابل المدير .
- أتراها وكالة من غير بواب ؟ .. ماذا تريد منه ؟
- بخصوص الاشتراك في المهرجان .. أريد المشاركة .
- أخطأت المكان يا أستاذ .. راجع غرفة التنظيم الداخلي . رابع
غرفةٍ على اليمين من المدخل .
نظرت إلى عينيه المختبئتين خلف نظّارة طبّية ثم لقدح الماء
المنتصب على الصينية التي يحملها . وبحركة سريعة سحبت الكأس من
مكانه وشربته دفعة واحدة وأعدته لمكانه . ثم ركضت صوب ما ذكر
دون أن أن ألقي انتباه لما أخذ يتمتم بعد وضعي الكأس الفارغ في
الصينية .
عدلت من هندامي ومسحت العرق عن وجهي . طرقت الباب ودخلت . نسيم
المكيف أنساني حرّ الصيف وأدخلني في شعور آخر .. سرت نحو مكتبٍ
تجلس خلفه صبيّة ناعمة التقاطيع ، بشعر باذنجاني وعينين
سوداوين واسعتين . هاتيك العينين أخرجت من سراديب الذاكرة
أغنيةً للسيدة فيروز : " انت عيونك سود .. ومنك عارفي .. شو
بيعملو فيَّ العيون السود .. وع هدير البوسطة ... "
تركت السيدة فيروز تتابع الغناء في الذاكرة وعلى هدير الدم
الذي أخذ يغلي في عروقي حين وقعت عينيّ على عينيها تابعت
التقدم نحوها .
- مرحباً .
- أهلاً .
هذه الـ(أهلاً) حملت ابتسامة أرجوانية رائعة . تابعت الكلام
بينما أنا مأخوذ بتلك العيون .
- أكيد الأستاذ جاء ليشارك في المهرجان .
- أصبتي كبد الحقيقة يا آنسة ، جئت للمشاركة . هاك أعمالي
القصصية والشعرية .
انتقلت بنظرها ما بيني وبين الأوراق التي جعلتها أمامها ثم
أطلقت ضحكة غريبة حملت أنوثة المرأة فيها . رمقتها بنظرة حادة
فلو لم تتوقف عن الضحك لحظتها لناولتها بالكف على خلقتها
وليحدث ما يحدث ...
سمَّرت نظرها فيَّ وقالت
- يا أستاذ لعلك أخطأت المكان
- أليس بحق الآلهة هذا مكان تنظيم مهرجان الابداع الأول ؟
- بلى .
- بلى ! ما معنى ذلك .. هذه مساهماتي ..
عادت لتضحك هذه المرة أكثر هدوئاً وأكثر عفوية .
- هل قلت ما يضحك ؟
- أعتذر ولكن لا أعرف ماذا أقول .. من أرسلك إلى هنا ؟
- الإعلان .
- الإعلان ! أيُّ إعلان يا أستاذ ؟
- اعلاناتكم المنتشرة في أرجاء المدينة .
- عفواً . هل قرأته جيداً ؟
- في الواقع لم أقرأه كله ولكن قرأت ما يكفي .
- آه . فهمت .. لحظة لو سمحت .
ثم أخذت تبحث بين الأوراق الموجودة على طاولتها . سحبت من
بينها ورقة زرقاء اللون ، نظرت إليّ والابتسامة ترتسم على
شفتيها الكرزيتين ، وقالت :
سأقرأ لك نصّ الاعلان كاملاً " لأول مرة في المدينة . مهرجان
الابداع الأول الذي سيقام احتفالاً بعيد الحرية العالمي في
صالة الخيام .
- أعرف ذلك .
- دعني أكمل أرجوك .
فأوحيت لها بيدي أن تتابع القاءة .
- تتضمن فعاليات المهرجان . سوقاً خيرياً ، وعرضاً للأزياء
ولتسريحات الشعر .. ولأول مرة اختيار ملكة جمال المهرجان ...
انتبهت إلى نظراتها الخبيثة من خلف الورقة وقالت بهدوء ، هل
ستشارك ؟
أحسست بالدماء تقفز من نافوخي حملت أوراقي ونزلت مهرولاً صوب
المنزل لأعيد أوراقي لدرج طاولتي .
هنا يا ذاتي مكانك .. فارقدي . |