|
فرنسية كرّست حياتها لمساعدة أكراد العراق
أرليت خوري -الحياة
لولا النقاش الذي
شهدته فرنسا منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي عن المساعدة
الانسانية لضحايا الحروب، لما كانت فرانسواز برييه، مديرة
منظمة "التحالف الدولي من أجل العدالة" تعرفت الى القضية
الكردية التي تحولت تدريجاً الى محور لحياتها ونشاطها.
فاهتمام برييه
المولودة في منطقة بروتاني (شمال غربي فرنسا) سنة 1958 في أسرة
متواضعة من أربعة أولاد، بالاكراد كان يمكن ان يقتصر على ما
يذاع عنهم عبر وسائل الاعلام الفرنسية.
لكن برييه المتخرجة في
كلية العلوم الطبية في مدينة رين الفرنسية، تأثرت جداً بحركة "فرنش
دكتورز" التي نشأت تعبيراً عن الميل التطوعي الذي برز لدى
الجهاز الطبي الفرنسي، في موازاة حرب بيافرا، للتخفيف من
المعاناة الانسانية لضحايا تلك الحرب.
عايشت برييه عن كثب
النقاش الذي أثير عن هذه الحركة. وما لبثت ان حسمت موقفها،
فبدلاً من السعي الى عمل ثابت والتأسيس لحياة مستقرة، اختارت
سنة 1980 التوجه في مهمة تطوعية الى كردستان.
وأثناء تلك المهمة
التي استمرت ستة اشهر، بدأت برييه تعي المشكلة الكردية
والصعوبات التي يواجهها اكراد العراق، ثم تبعت تلك مهمات أخرى
في دول مختلفة مثل انغولا وجزر مالاوي، لتعود مجدداً الى
كردستان حيث اقامت لفترات متقطعة على مدى عشر سنوات.
فالعمل التطوعي، تقول
برييه، شكّل بالنسبة اليها "نوعاً من الكفاح من اجل حقوق
الانسان وحق الشعوب في العناية الصحية والتعليم". وعلى الصعيد
الشخصي شكل "أسلوب تواصل مع هذه الشعوب. ففي مقابل الخدمات
التي قدمتها حصلت على ثقافة مغايرة لثقافتي وعلى تبادل
استثنائي على المستوى الانساني".
لكن برييه تتجنب الخوض
في الدوافع الذاتية التي أملت عليها نمط حياتها "الخارج عن
المألوف"، مثلما تتجنب بلباقة وخفر الحديث عما يمس
بـ"شخصيتها". فتشير الى ان الدوافع "متعددة وأبرزها الرغبة في
الانفتاح على الآخرين" والقناعة الراسخة لديها "بأهمية تعميم
حقوق الانسان".
وتقرّ بأن ما اقدمت
عليه، لم يلقَ استحسان اسرتها، التي تعتبرها "مغامِرة حالمة
ومثالية"، خصوصاً "بسبب عدم الاستقرار الذي يلف أوجه حياتي
الشخصية والمهنية كافة".
وهي تعتبر ان التواجد
"الى جانب المضطهدين والمعذبين والمهانين ضروري جداً"، وانه
"لولا وجود العاملين في الحقل الانساني والصحافيين لما شعر
الرأي العام والطبقة السياسية بالنزوح المأسوي للأكراد سنة
1991".
وترى برييه ان ما تقوم
به ينطوي على أهمية مزدوجة، عبر التخفيف من معاناة المضطهدين
والمقموعين من جهة وعبر توعية العالم بمعاناتهم من جهة أخرى.
وعما اذا كان التزامها
في بدايته غير متعلق بالرغبة في التمرّد، تجيب برييه "كلا"،
فالبداية "كانت مبنية على قناعات، لكنني لاحقاً وجدت نفسي أمام
اوضاع تدعو الى التمرد ومنها وضع الاكراد الذي حملني على
الاهتمام بهذا الموضوع".
ومن أبرز الصعوبات
التي تواجهها في عملها، "الشعور بالعجـز الـذي يفـرض نفسـه
عندما يصطدم الاندفاع والرغبة بتغيير الأمور بالواقعية
السياسية". فتسأل :"هل ان السياسيين كانوا التزموا بهذه
الواقعية لو ان الاحداث التي استهدفت الاكراد، طاولت أسرهم
وأبناء بلداتهم؟".
لكن الصعوبات دفعت
برييه نحو مزيد من الالتزام، فعملها الانساني التطوعي تحوّل
منذ التسعينات الى تبن سياسي للقضية الكردية حملها على التخلي
عن مهنتها وتكريس نشاطها كاملاً لهذه القضية فالتحقت بمنظمة
"فرانس ليبرتيه" التي تترأسها زوجة الرئيس الفرنسي الراحل،
دانيال ميتران، "بعدما أدركت ان الحياد غير ممكن" لمن هم من
أمثالها.
هل شكت أو ندمت على
التوجه الذي اعتمدته "لا" تقول برييه بلا تردد، لكنها تشير الى
"خيبات أمل واجهتها في بعض الأحيان"، لكن التزامها "جزء من
حياتها وليس موضع اعادة نظر". وهذا ما تحققت منه عندما شعرت
بالحاجة الى اخذ مسافة عن القضية الكردية، فأمضت عامين في
أفريقيا في اطار برنامج لمكافحة "الايدز" لكنها ما لبثت ان
عادت الى قضيتها لدى عودتها الى فرنسا سنة 1998.
ومن خلال عملها تكوّن
لدى برييه نوع من النقمة على فرنسا وعلى أوروبا عموماً، بسبب
عدم اخذهما على محمل الجد انتهاكات حقوق الانسان في العراق،
فتقول: "ان العالم أهمل العراقيين وسلح النظام وهو يأتي اليوم
ويطلب من الشعب العراقي التخلص من نظامه".
وتأمل برييه بنهاية
سريعة لآلام الشعب الكردي الذي غير مجرى حياتها.
نقلاً عن الحياة 2003/03/29 |